القصة
المسبحة (قالب فنى جديد أم جنس أدبى جديد؟) / صلاح الين سر الختم على
دخلت
فى تجربة كتابة تجريبية لاأدعى لنفسى شرف ابتداعها من العدم ، فقد طورت بعض التجارب
التى لامستها هنا وهناك واستخلصت منها منهجية الكتابة التى جربتها فى عدة نصوص وجدت
تجاوبا وقبولا وإهتماما من العديد من المبدعين،بل ظهرت أصداء للتجربة هنا وهناك، التجربة
تقوم على إيجاد مزج بين كتابة القصة القصيرة جدا والقصة القصيرة والقصيدة المشهدية
التى من أبرز كتابها أمل دنقل فى ديوانه أوراق الغرفة 8 وبعض قصائده التى تعتمد على
تشطير القصيدة الى مشاهد منفصلة مع وحدة الموضوع، حاولت كتابة مجموعة من القصص القصيرة
جدا المستقلة ظاهريا بحيث تشكل كل قصة لوحة قائمة بذاتها، وفى نفس الوقت يكون هناك
خيط يربط بينها جميعا مثلما يربط خيط المسبحة حباتها بعضها بعضا، ويكون المغزى المراد
موزعا بين وحدات القص الصغيرةالتى تبوح مجتمعة بذلك الأثر الفنى. وتبدو القصة مكونة
من لوحات تعطى مجتمعة ملمحا قصصيا واحدا وأثرا نفسيا واحدا، وفى نفس الوقت تتنوع اللوحات
تنوعا لافتاً. فنيا لاتشترط القصة المسبحة وهو مصطلح اراه مناسبا للتعبيرعن هذا القالب
، لاتشترط التكثيف والنهاية الصادمة المطلوبة فى القصة القصيرة جدا، ذلك ان النهاية
تتكون من مجموع اللوحات ووحدات القص ، وهنا يكون تمهل السرد مع الإيجاز فى الأحداث
ولشخوص وتجنب الحوار والقفلة المقسمة الى عدة قفلات جزئية ، تتجه جميعها كخيران صغيرة
نحو المصب، فى خاتمة النهايات، التى يشترط فيها أن تكون تتويجا للمغزى الكلى واكتمالا
له، لايعتمد التصريح، بل التلميح والتتويج للأحداث الفرعية بحدث رئيس ، أشد وقعا، أكثرتوهجا،تلخيصا
شاملا ولامعا لما قبله، بلا تقرير ولاتكرار. ويجب ان تكون الخاتمة بمثابة القشة التى
قصمت ظهر البعير، وبمثابة التماعة البرق الكبيرة التى تضئ ماقبلها من ظلمة.
قالب(القصة
المسبحة) أو (القصة فى لوحات) هو قالب مرن، يقف فى منطقة وسطى بين القصة القصيرة والقصة
والقصيرةجدا والرواية، فهو يسمح ببعض التمهل فى السرد لاتسمح به القصة القصيرة جدا،
وهو يميل الى إيجاز وتكثيف لاتسمح به الرواية ولاتستسيغه القصة القصيرة التى تسمح ببعض
الاستطراد والتفاصيل، وفى نفس الوقت يسمح هذا القالب بتمهل فى التعامل مع النهاية لاتسمح
به القصة القصيرة ولا القصيرة جدا، لكنه ليس تمهل الرواية، انه تمهل رسام يرسم مشهدا
واحدا مكونا من عدة لوحات متصلة بحبل سرى واحد، وهو تمهل كاتب قصة مصورة لاتكفى الصورة
وحدها للبوح بمغزاها، فيستعين الكاتب باللغة.
القصة
المسبحة هى فى حقيقتها محاولة للتمرد على القوالب
المعتادة فى كتابة القصة القصيرة والقصيرة جدا، ولا أعتبرها جنسا ادبيا جديدا،هى محاولة
ولدها التجريب ، فقالب القصة القصيرة يعيبه
عندى كونه يلزم الكاتب بقيود عديدة أبرزها الايقاع اللاهث والاندافاع بقوة نحو النهاية وعدم السماح
بالعقدة المركبة مع السماح ببعض الإسهاب، بينما القصة القصيرة جدا تحاصر كاتبها بالتكثيف
الشديد والتمنع على تعدد الصور، فمساحة القصة القصيرة جدا لاتتيح امكانية حشد مشاهد
متعددة والإيحاء بالمضمون عبرها، وهذه النقطة الاخيرة بالذات هى احد دوافع ابتداع قالب
القص المسبحة المكون من عدة لوحات تبوح مجتمعة
بالمغزى عبر لوحاتها المختارة بعناية.
القصة المسبحة فيها شئ من تقنية الرواية التى تتكون من اجزاء داخلية توحى بمغزى متكامل، الفارق هنا هو الضغط لفصول الرواية
لتصبح لوحات لاتتعدى بضعة أسطرولكنها تعطى
ملمحا من المغزى الكلى، كل حبة هى قائمة بذاتها، ولكنها خارج المسبحة لاقيمة لها ولامغزى.
خيط السرد هو خيط المسبحة غير المرئي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق